Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

أنماط الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربية: اختيار الأهداف، وديناميات التصعيد، والتقييم الاستشرافي

تحليل استراتيجي

النطاق:  جميع الدول الأعضاء الست في مجلس التعاون الخليجي
الفترة الزمنية: 28  فبراير – 14 مارس 2026
عدد الحوادث المسجّلة: 43  حادثة ضرب موثقة
التصنيف:  استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT)

الملخص

تستند هذه الدراسة على مجموعة من أطر التحليل الاستراتيجية المعاصرة بما في ذلك تحليل العمليات القائمة على التأثيرات (Effects-Based Operations – EBO)، ونظرية القوة الجوية الإكراهية لروبرت باب  (Robert Pape)، وسلم التصعيد لتوماس شيلينغ  (Schelling’s Escalation Ladder)، ومنهجية تحليل مجموعات الأهداف المستمدة من إطار التحضير الاستخباراتي المشترك لبيئة العمليات ( Joint Intelligence Preparation of the Operational Environment – JIPOE) وذلك لتحليل 43  هجوماً إيرانياً ضد دول مجلس التعاون الخليجي أثناء الحرب التي تجري الآن بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى والتي انطلقت في فبراير/شباط 2026.

تكشف نتائج التحليل عن وجود حملة استهداف منظمة مكوّنة من ست مراحل، تتمحور حول خمس فئات رئيسية من الأهداف: القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية، والبنية التحتية للطاقة، والمنشآت الدبلوماسية، والبنية التحتية المدنية الحيوية، والأصول البحرية. وتشير المعطيات إلى أن الحملة الإيرانية تحمل سمات استراتيجية إكراه منهجية، أكثر من كونها مجرد ردّ انتقامي أو حملة عقابية محدودة.

وقد حددت الدراسة ستة أنماط عملياتية رئيسية تتصف بها الهجمات الإيرانية. أولها “تشبع هجومي متعدد الدول” بشكل متزامن يهدف إلى إرباك منظومات الدفاعي الجوي. وثانيها تدرّج تصعيدي مقصود يبدأ بالأهداف العسكرية ثم ينتقل إلى الأهداف الاقتصادية وصولاً إلى البنية التحتية المدنية. وثالثها تسليح الاعتماد المتبادل في مجال الطاقة بوصفه أداة ضغط استراتيجية. أما النمط الرابع فيتمثل في المواءمة غير المتكافئة بين نوع السلاح والهدف، حيث تُستخدم الطائرات المسيّرة لتحقيق الإشباع النطاقي، بينما تُخصَّص الصواريخ الباليستية لاستهداف المنشآت المحصّنة. ويتمثل النمط الخامس في استغلال فجوات التنسيق داخل مجلس التعاون الخليجي. أما النمط السادس فيتمثل في استراتيجية إشارات مزدوجة المسار موجهة في الوقت نفسه إلى حكومات دول الخليج وإلى الإدارة الأمريكية.

وتشير نماذج التنبؤ الاستراتيجي إلى أن السلوك الإيراني في المدى القريب مرشح لأن يركز بشكل متزايد على البنية التحتية للطاقة بوصفها أداة الإكراه الرئيسية في مسار الحرب، بالتوازي مع مواصلة الضغط البحري على طرق الشحن البديلة التي كانت تُعد سابقاً آمنة. وتختتم الدراسة بتقديم إطار متعدد المستويات من التوصيات الأمنية الموجهة لدول مجلس التعاون الخليجي، يشمل تعزيز الوعي بالمجال الجوي، وتحصين البنية التحتية الحيوية، وتطوير عقيدة مشتركة لمواجهة الطائرات المسيّرة على مستوى التحالف، وتسريع دمج الذكاء الاصطناعي في تكنولوجيا الدفاع العسكرية.

١. المقدمة والإطار النظري

في 28 فبراير/شباط 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة ضربات جوية منسّقة استهدفت البنية التحتية النووية والقيادية والعسكرية في إيران، وأسفرت الموجة الافتتاحية منها عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي والعشرات من قيادات الصف الأول. وفي غضون ساعات، باشرت إيران تنفيذ أوسع حملة انتقامية من حيث الامتداد الجغرافي في التاريخ الحديث لمنطقة الخليج العربي، مستخدمة الصواريخ والطائرات المسيّرة لاستهداف جميع الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي في وقت واحد: المملكة العربية السعودية، ودولة قطر، ودولة الكويت، ومملكة البحرين، وسلطنة عُمان، والإمارات العربية المتحدة.

تطرح هذه الحملة، بلا شك، تحديًا تحليليًا كبيرًا. فعند النظرة الأولى، يبدو أن اختيار إيران للأهداف كان مبعثرًا، أقرب إلى وابل عشوائي من الذخائر الموجهة ضد دول الجوار التي تتهمها بإيواء قواعد وأصول عسكرية أمريكية. غير أن فحصا ً أعمق يكشف عن أنماط بنيوية واضحة تتسق مع تخطيط عملياتي متعمّد، وتسلسل استراتيجي مدروس في اختيار الأهداف، ومنطق إكراهي متماسك تنطلق منها الهجمات الإيرانية.

بناء على ذلك، تطبق هذه الدراسة أربعة أطر تحليلية مترابطة لفك شيفرة هذا المنطق الاستراتيجي لإيران وتفسير دينامياته العسكرية.

١.١ إطار العمليات القائمة على التأثيرات  (Effects-Based Operations – EBO)

يرتكز تحليل العمليات القائمة على التأثيرات — الذي طوّرته القوات الجوية الأمريكية عقب حرب الخليج عام 1991، ثم جرى تقنينه نظريًا في أعمال سميث (Smith, 2006) وديبتولا (Deptula, 1992) على تقييم الحملات العسكرية ليس من خلال عدد الأهداف المدمّرة فحسب، بل عبر مجمل التأثيرات الاستراتيجية والعملياتية والنفسية التي تنتج عنها.

ووفقًا لهذا الإطار المنهجي في التحليل، لا يُفهم الاستهداف الإيراني المتزامن لست دول ذات سيادة على أنه محاولة لإلحاق هزيمة عسكرية بدول مجلس التعاون الخليجي (وهو أمر يكاد يكون غير ممكن موضوعيًا بالنظر إلى اختلال ميزان القوى العسكرية لصالح هذه الدول وحلفائها) بل بوصفه مسعىً محسوبًا لإنتاج مجموعة من التأثيرات الاستراتيجية المحددة.

وتتجسد هذه التأثيرات في خمسة أهداف رئيسية. أولًا، إظهار القدرة العملياتية والامتداد الجغرافي للضربات بما يرسّخ صورة إيران كفاعل قادر على العمل عبر كامل مسرح العمليات الخليجي. ثانيًا، فرض تكاليف اقتصادية مباشرة من شأنها توليد ضغوط سياسية داخلية على حكومات دول مجلس التعاون الخليجي. ثالثًا، إرباك قدرة الولايات المتحدة في المنطقة عبر تهديد البنية التحتية اللوجستية وقواعد الانتشار التي تعتمد عليها العمليات الأمريكية. رابعًا، إرسال إشارة ردعية إلى الدول والأسواق الدولية مفادها أن القرب من التحالف الأمريكي–الإسرائيلي قد يحمل مخاطر وجودية. خامسًا، إحداث قدر كافٍ من عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية بما يخلق أداة ضغط اقتصادي غير مباشر يمكن استخدامها ضد الولايات المتحدة نفسها.

١.٢ نظرية القوة الجوية الإكراهية

يقوم العمل المرجعي “لروبرت باب” حول القوة الجوية الإكراهية (Pape, 1996)  على التمييز بين ثلاث آليات رئيسية تستطيع الحملات الجوية من خلالها تحقيق الامتثال السياسي: أولا، الإنكار (Denial)، أي منع الخصم من تحقيق أهدافه العسكرية؛ وثانيا، العقاب (Punishment)، أي إلحاق قدر كافٍ من الألم الاقتصادي والمدني بما يؤدي إلى تقويض الإرادة السياسية؛ وثالثا، قطع الرأس القيادي (Decapitation)، أي تدمير قدرة القيادة لدى الخصم.

وفي هذا السياق، تبدو الحملة الإيرانية أقرب ما تكون إلى نموذج العقاب كما صاغه باب، ولكن مع تطبيقه على أطراف ثالثة. فبدلًا من توجيه الضغط مباشرة إلى الولايات المتحدة أو إسرائيل، تسعى إيران إلى إيقاع كلفة وألم استراتيجي بدول مجلس التعاون الخليجي، ليس بهدف تغيير سلوكها العسكري المباشر، بل لدفعها إلى سحب دعمها السياسي واللوجستي للحملة الأمريكية–الإسرائيلية.

ومع ذلك، تشير أبحاث باب أيضًا إلى القيود البنيوية لاستراتيجيات العقاب الجوي. إذ نادرًا ما تستسلم المجتمعات أو الحكومات لمجرد الضغوط الناجمة عن القصف الجوي وحده، كما أن محاولات الإكراه غالبًا ما تؤدي إلى تعزيز التماسك السياسي وتصلب الإرادة الوطنية بدلًا من تقويضها، خصوصًا عندما يُنظر إلى الهجمات على أنها اعتداء على السيادة الوطنية.

وكما يبيّن التحليل اللاحق في هذه الدراسة، قد تكون إيران واقعة بالفعل في هذا النمط الديناميكي، حيث يؤدي استخدام استراتيجية العقاب إلى نتائج معاكسة لما تسعى إليه من حيث التأثير السياسي والإكراهي.

١.٣ سُلَّم التصعيد لدى شيلينغ

من جانبه، يوفّر إطار توماس شيلينغ لإدارة التصعيد (Schelling, 1966) بعده الزمني والتوجيهي للتحليل. إذ يميّز شيلينغ بين نمطين من التصعيد: الأول هو التصعيد بوصفه أداة تفاوضية، حيث تُرفع الكلفة على الخصم بصورة متدرجة ومحسوبة تحمل في طياتها رسائل سياسية واضحة؛ والثاني هو التصعيد بوصفه دينامية فقدان السيطرة، حيث تكتسب العمليات العسكرية زخمًا يتجاوز النوايا السياسية الأصلية للجهات التي أطلقتها.

وتُظهر البيانات المتعلقة بالحملة الإيرانية وجود البعدين معًا في الوقت ذاته. فمن جهة، يمكن رصد تصعيد متعمد في طبيعة الأهداف، بدأ بضرب القواعد العسكرية في اليوم الأول، ثم انتقل إلى البنية التحتية للطاقة خلال الأيام الثالث إلى الخامس، قبل أن يمتد لاحقًا إلى البنية التحتية المدنية خلال الأيام السابع إلى التاسع. ومن جهة أخرى، تظهر مؤشرات على احتمال تجاوز بعض الوحدات العملياتية التابعة للحرس الثوري الإيراني للتوجيهات السياسية العليا.

ويبرز هذا الاحتمال بوضوح في الضربات التي استهدفت سلطنة عُمان، وهي دولة حافظت إيران معها على علاقات دبلوماسية رسمية، كما لعبت لسنوات دور قناة اتصال خلفية غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة. ويشير هذا المثال إلى احتمال أن بعض القرارات العملياتية داخل الهجمات المعادية من إيران لم تكن خاضعة بالكامل لمنطق التصعيد السياسي المحسوب، بل ربما عكست أيضًا ديناميات ميدانية مستقلة نسبياً لوحدات الحرس الثوري عن التوجيه السياسي المركزي.

١.٤ التحضير الاستخباراتي المشترك لبيئة العمليات (Joint Intelligence Preparation of the Operational Environment – JIPOE)

توفر منهجية تحليل مجموعات الأهداف المستمدة من عقيدة التحضير الاستخباراتي المشترك لبيئة العمليات في الجيش الأمريكي (Joint Publication 2-01.3)  الإطار البنيوي المستخدم في هذه الدراسة لتصنيف وترتيب أولويات الأهداف التي اختارتها إيران.

ويرتكز هذا الإطار على تحليل مركز الثقل (Center of Gravity – CoG)، الذي يهدف إلى تحديد مصادر القوة لدى الخصم، بما يشمل القدرات الحرجة، والمتطلبات الحرجة، ونقاط الضعف الحرجة. وفي هذه الورقة، يجري توظيف هذا التحليل بصورة معكوسة، أي ليس لتحديد نقاط ضعف إيران، بل لتفسير كيفية إدراك إيران لنقاط الضعف الاستراتيجية لدى دول مجلس التعاون الخليجي.

وتشير البيانات بوضوح إلى أن التخطيط العملياتي للاعتداءات الإيرانية استند إلى تحديد ثلاثة مراكز ثقل رئيسية في بنية القوة لدى دول المجلس:

  1. البنية التحتية لتمركز القوات العسكرية الأمريكية في المنطقة،
  2. القدرة التصديرية للبترول والغاز بوصفها الركيزة الأساسية للاقتصادات الخليجية،
  3. ثقة السكان المدنيين واستقرار البيئة الداخلية باعتبارها عنصرًا حاسمًا في صمود الأنظمة السياسية خلال الأزمات.

٢. مجموعة البيانات والحدود المنهجية للدراسة

١.٢ وصف مجموعة البيانات

تتكوّن مجموعة البيانات الأساسية المستخدمة في هذه الدراسة من 43 اعتداء قصف إيراني موثّقة جُمعت من مصادر استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT) . وتشمل هذه المصادر بيانات رسمية صادرة عن وزارات الدفاع في دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى تقارير إعلامية متزامنة نشرتها مؤسسات إعلامية دولية مثل الجزيرة، ورويترز، وبلومبرغ، فضلًا عن تحليلات منشورة في Long War Journal  التابع لمؤسسة Foundation for Defense of Democracies (FDD)، وكذلك المواد المرجعية الموثقة في المقالات القُطرية المنسّقة على ويكيبيديا المتعلقة بالضربات الإيرانية لعام 2026.

ويحتوي كل سجل في قاعدة البيانات على مجموعة من المتغيرات التحليلية الأساسية، تشمل:

  • الدولة المستهدفة،
  • موقع الهدف ووصفه،
  • تصنيف نوع الهدف (عسكري، طاقة، مدني، دبلوماسي، بحري، أو بنية تحتية)،
  • تاريخ الاستهداف الأول المؤكد أو نطاق التاريخ،
  • نوع السلاح المستخدم (طائرة مسيّرة، صاروخ باليستي، أو مزيج منهما)،
  • النتيجة أو الأثر العملياتي في الحالات التي أمكن التحقق منها.

٢.٢ توزيع أنواع الأهداف

يعرض الجدول التالي توزيع حوادث الضربات وفق نوع الهدف عبر جميع الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. ويُلاحظ أن الهجمات المتعددة التي استهدفت المنشأة نفسها في تواريخ مختلفة قد جرى احتسابها كـمدخلات منفصلة في قاعدة البيانات، وذلك بهدف الحفاظ على دقة تحليل الأنماط الزمنية للحملة العملياتية.

* تم استهداف قاعدة الأمير سلطان الجوية في المملكة العربية السعودية في عدة تواريخ مختلفة، وقد جرى دمجها هنا باعتبارها هدفًا مستمرًا واحدًا. أما الأهداف الدبلوماسية فقد تم احتسابها بشكل منفصل.

 

٣.٢ الأسلحة المستخدمة

من بين الـ 43  حالة قصف التي تغطيها الورقة، كانت الطائرات المسيّرة السلاح الرئيسي في 28  حادثة (65.1%)، في حين استُخدمت الصواريخ الباليستية في 7  حوادث (16.3%)، بينما استُخدم مزيج من الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية في 8 حوادث (18.6%). ولم تُسجَّل أي ضربات مؤكدة التأثير اعتمدت على صواريخ كروز فقط، على الرغم من أن وزارة الدفاع القطرية أفادت باعتراض صواريخ كروز في عدة مناسبات، ما يشير إلى أن نشرها ربما كان موجّهًا أساسًا ضد الأهداف العسكرية المحصّنة التي تتمتع عادةً بمعدلات اعتراض أعلى.

وتحمل الغلبة الكبيرة لاستخدام الطائرات المسيّرة دلالة مهمة. فهي تعكس عقيدة عملياتية إيرانية تقوم على مبدأ “الإغراق الكمي منخفض الكلفة”. فمن خلال إطلاق موجات من المسيّرات يتراوح عددها بين 4  و26 طائرة في الهجوم الواحد، تسعى إيران إلى استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية لدى منظومات الدفاع الجوي المقابلة عبر فرض معادلة كلفة غير متكافئة.

على سبيل المثال، تبلغ كلفة الصاروخ الاعتراضي لمنظومة باتريوت المستخدمة في دول مجلس التعاون الخليجي ما يقارب 3 إلى 6 ملايين دولار أمريكي للصاروخ الواحد، في حين تُقدَّر كلفة الطائرة المسيّرة الإيرانية من طراز Shahed-136  أو مشتقاتها بما يتراوح بين 20  ألفًا و50 ألف دولار فقط. وحتى عند افتراض نسبة اعتراض تبلغ 10 إلى 1، فإن معادلة التبادل الاقتصادي تظل تميل بوضوح لصالح الطرف المهاجم.

٤.٢ حدود المنهجية

من باب التأكيد على موضوعية البحث، تواجه هذه الورقة ثلاثة قيود منهجية رئيسية لها تداعياتها على درجة دقة النتائج وحدود التحليل:

أولًا، إن مجموعة البيانات المستخدمة غير مكتملة بالضرورة. فاعتمادها على استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT) يعني أنها تقتصر على الحوادث المؤكدة أو التي جرى الإبلاغ عنها علنًا، في حين يُحتمل أن يكون عدد من الهجمات قد تم حجبه أو عدم الإعلان عنه من قبل الجهات المختصة لأسباب أمنية أو سياسية.

ثانيًا، تتفاوت درجة اليقين في إسناد المسؤولية عن بعض الضربات. فعلى الرغم من أن جميع الحوادث الثلاثة والأربعين قد نُسبت إلى القوات الإيرانية من قبل حكومات المنطقة و/أو الحرس الثوري الإيراني (IRGC)، فإن عددًا محدودًا منها قد يكون نُفذ من قبل وكلاء إقليميين أو ميليشيات حليفة للحرس الثوري تعمل ضمن توجيه عام من إيران.

ثالثًا، إن الطبيعة المستمرة والمتطورة للحرب حتى تاريخ إجراء هذا التحليل (14 مارس/آذار 2026) تعني أن مجموعة البيانات تعكس مرحلة غير مكتملة من الحملة العسكرية. وبناءً على ذلك، ينبغي التعامل مع تحليل الأنماط العملياتية الوارد في هذه الدراسة بوصفه مؤشرًا تحليليًا أوليًا، وليس حكمًا نهائيًا على مجمل ديناميات الحرب.

٣.  الأنماط العملياتية المُحدَّدة

يكشف التحليل المنهجي لمجموعة البيانات عن ستة أنماط عملياتية رئيسية تبرز بوضوح في سلوك الضربات المدروسة. ويجري فيما يلي عرض كل نمط على حدة، مدعومًا بالأدلة المستخلصة من البيانات، مع بيان دلالاته الاستراتيجية وانعكاساته المحتملة على ديناميات الحرب.

النمط الأول: الإغراق المتزامن متعدد الدول بوصفه فعلًا يتضمن إشارة استراتيجية

تتمثل السمة الأكثر غرابة من الناحية التاريخية في الحملة الإيرانية في اتساع نطاقها الجغرافي منذ اللحظة الأولى. فخلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من الحرب، وقبل أن تجري أي محاولات اتصال سياسي، وقبل أن تتخذ أي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي إجراءً عدائيًا مباشرًا، نفذت إيران ضربات استهدفت جميع الدول الست الأعضاء في المجلس. وهذه ربما تمثل المرة الأولى في التاريخ التي يقوم فيها فاعل واحد باستهداف جميع دول الخليج العربية في إطار زمني لا يتجاوز 24 ساعة.

ومن منظور عملياتي عسكري بحت، يُعد هذا التوزيع المتزامن للمقذوفات غير فعّال نسبيًا. فتركيز القوة النارية على خصم أو خصمين رئيسيين كان يمكن أن يحقق تأثيرات عسكرية أكثر حسماً. غير أن النهج المتزامن يعكس مقايضة مقصودة بين الكفاءة القتالية المباشرة وقوة الإشارة الاستراتيجية التي تريد إيران إيصالها.

وبعبارة أخرى، فإن الهدف المركزي لم يكن تحقيق أكبر قدر من التدمير العسكري، بل تعظيم قوة الرسالة السياسية. ومضمون هذه الرسالة واضح. لا توجد أي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي (بغض النظر عن طبيعة علاقتها بالولايات المتحدة أو عن موقفها الدبلوماسي تجاه إيران) خارج نطاق القدرة الإيرانية على الرد.

 

النمط الثاني: تسلسل تصعيدي متعمد في فئة الأهداف

يكشف التحليل الزمني لمجموعة البيانات عن نمط تصعيدي منظم بدرجة عالية يمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل رئيسية واضحة:

المرحلة الأولى (اليومان 1–2 28 فبراير – 1 مارس 2026): هيمنة الأهداف العسكرية.
في المرحلة الافتتاحية، استهدفت الغالبية الساحقة من الضربات الإيرانية المؤكدة منشآت عسكرية أمريكية في المنطقة، من بينها: قاعدة الظفرة الجوية (الإمارات)، وقاعدة المنهاد الجوية (الإمارات)، وقاعدة علي السالم الجوية (الكويت)، وقاعدة العديد الجوية (قطر — في اليومين الأول والثاني)، ومقر الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية (البحرين)، وقاعدة الأمير سلطان الجوية (السعودية).

وتحمل هذه الأهداف، من الناحية القانونية والسياسية، مبررًا يمكن الدفاع عنه ضمن المنطق الإيراني المتعلق بحق الدفاع عن النفس، إذ تُعد هذه المنشآت، وفق الخطاب الإيراني، منصات انطلاق للقوات الأمريكية في عملياتها الموجهة ضد الأراضي الإيرانية.

المرحلة الثانية (الأيام 3–7: 2–8 مارس 2026) — التصعيد نحو البنية التحتية للطاقة

تمثل المرحلة الثانية من الاعتداءات الإيرانية تحولًا نوعيًا في طبيعة الأهداف، حيث انتقلت العمليات من استهداف منشآت عسكرية يمكن تبريرها سياسيًا وقانونيًا وفق المنطق الإيراني إلى الاستهداف المتعمد للبنية التحتية الاقتصادية المدنية. وخلال هذه الفترة، طالت الضربات عددًا من أهم منشآت الطاقة في المنطقة.

ومن بين أبرز هذه الأهداف: مصفاة رأس تنورة النفطية في المملكة العربية السعودية (2 مارس)، وحقل الشيبة النفطي الذي بدأ استهدافه في 2 مارس وتكرر على مدى عشرة أيام لاحقة، إضافة إلى منشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة قطر للطاقة ومدينة مسيعيد الصناعية في قطر (2 مارس). كما شملت الضربات مصفاة بابكو النفطية في سترة بالبحرين التي تعرضت لأول هجوم في 5 مارس، ومجمع مصفاة الرويس التابع لشركة بترول أبوظبي الوطنية في دولة الإمارات خلال أواخر فبراير وبدايات مارس.

وخلال هذه المرحلة أيضًا، تم استهداف ميناءي الدقم وخصب في سلطنة عُمان. وقد انعكست هذه الضربات بشكل مباشر على العمليات الصناعية والطاقوية، حيث أعلنت كل من قطر للطاقة (QatarEnergy) وشركة بابكو (Bapco) حالة القوة القاهرة (Force Majeure)، في مؤشر واضح على التأثير العملياتي والاقتصادي الفوري لهذه الهجمات.

المرحلة الثالثة (الأيام 7–13: 8–13 مارس 2026) — التوسع نحو الأهداف المدنية والدبلوماسية

ابتداءً من اليوم السابع تقريبًا، شهدت الحملة توسعًا واضحًا في نطاق الاستهداف ليشمل البنية التحتية المدنية والمنشآت الدبلوماسية والمناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية. ومن بين الأهداف التي طالتها الضربات خلال هذه المرحلة: السفارة الأمريكية والحي الدبلوماسي في الرياض (حيث تعرضا لضربات أو محاولات استهداف متكررة منذ 3 مارس فصاعدًا)، والقنصلية الأمريكية في دبي، إضافة إلى مبانٍ سكنية مدنية في البحرين والكويت.

كما شملت الهجمات محطة لتحلية المياه، ومبنى جامعيًا في المحرق، ومركز بيانات تابع لشركة Amazon Web Services (AWS)  في دولة الإمارات ، فضلًا عن مركز الابتكار في مركز دبي المالي العالمي (DIFC Innovation Hub) الواقع في قلب الحي المالي المركزي لمدينة دبي.

 

النمط الثالث: تسليح الاعتماد المتبادل في قطاع الطاقة

تشكل البنية التحتية للطاقة أكبر فئة أهداف منفردة ضمن مجموعة البيانات، إذ استهدفت 15  حادثة من أصل 43 حادثة وثقتها الدراسة (34.9%) منشآت مرتبطة مباشرة بقطاع الطاقة، مثل مصافي النفط، ومرافق الغاز الطبيعي المسال، والحقول النفطية، وخزانات الوقود، والبنية التحتية الطاقوية في الموانئ. وعند احتساب البنية التحتية المدنية التي ترتبط بصورة مباشرة بقطاع الطاقة،  مثل خزان المياه في محطة مسيعيد للطاقة ومركز بيانات Amazon Web Services (AWS) الذي يدعم العمليات اللوجستية الإقليمية لقطاع الطاقة، فإن نسبة الأهداف المرتبطة بالطاقة تتجاوز 40% من إجمالي الضربات.

ويعكس هذا التركيز منطقًا استراتيجيًا متعدد المستويات. فعلى المستوى العملياتي المباشر، يؤدي إضعاف إنتاج الهيدروكربونات في دول مجلس التعاون الخليجي إلى تقليص القدرة المالية لهذه الدول على تمويل النفقات المرتبطة بصراع طويل الأمد. أما على مستوى الضغط في الأسواق العالمية،  وهو ربما العنصر الأكثر أهمية في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، فإن استهداف منشآت رئيسية مثل مجمع رأس لفان التابع لشركة قطر للطاقة ومصفاة رأس تنورة التابعة لأرامكو السعودية يبعث إشارة إكراهية قوية إلى أسواق الطاقة العالمية مفادها أن إيران تمتلك القدرة والاستعداد لتدمير البنية التحتية التصديرية للخليج بالكامل إذا اقتضى الأمر.

وقد تجلت آثار هذا الضغط بوضوح في المؤشرات الاقتصادية العالمية، حيث تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل عقب الضربات التي استهدفت رأس تنورة ومنشآت قطر للطاقة، في حين شهدت مؤشرات أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا ارتفاعًا يقارب 50% خلال يوم واحد. وتشير هذه التطورات إلى أن أثر الإكراه المتعلق بأسواق الطاقة الذي سعت إليه إيران قد تحقق بالفعل على المستوى العملياتي.

ويكشف اختيار الأهداف داخل قطاع الطاقة أيضًا عن مستوى ملحوظ من التعقيد العملياتي والتخطيط المسبق. إذ لم تستهدف إيران منشآت الطاقة بصورة عشوائية عبر كامل سلسلة القيمة في هذا القطاع، بل ركزت على مرافق محددة يؤدي تعطيلها إلى أكبر أثر ممكن في الأسواق العالمية.

فعلى سبيل المثال، تقوم مصفاة رأس تنورة بمعالجة ما يزيد على 550  ألف برميل يوميًا، ما يجعلها أكبر مصفاة نفط في المملكة العربية السعودية. أما مجمع رأس لفان للغاز الطبيعي المسال فيمثل نحو خُمس القدرة العالمية لتصدير الغاز الطبيعي المسال. وفي البحرين، تُعد مصفاة بابكو منشأة التكرير النفطية الوحيدة في البلاد، ما يعني أن أي إصابة مباشرة لها تجعل إعلان حالة القوة القاهرة نتيجة شبه حتمية.

ويشير هذا الانتقاء الدقيق للأهداف إلى نمط يتعارض مع فكرة الاستهداف الانتهازي أو العشوائي، ويعزز فرضية أن الحملة اعتمدت على جمع استخباراتي مسبق قبل اندلاع الصراع وعلى تخطيط عملياتي متعمد.

النمط الرابع: المواءمة غير المتكافئة بين نوع السلاح والهدف

يكشف تحليل نوع السلاح المستخدم بحسب فئة الهدف عن وجود نمط متسق في منطق اختيار الأسلحة لدى إيران:

إن هيكل التكلفة غير المتكافئ في استراتيجية المزج بين أنظمة الأسلحة هذه يستحق الانتباه بشكل خاص. فقد أنفقت دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة آلاف الصواريخ الاعتراضية من منظومات باتريوت (Patriot) وثاد (THAAD) والصواريخ الاعتراضية متوسطة المدى خلال فترة الهجمات الإيرانية في الفترة التي تشملها الدراسة، وتبلغ كلفة الصاروخ الواحد منها ما بين مليون و6 ملايين دولار أمريكي.

في المقابل، تُقدَّر كلفة الطائرات المسيّرة من عائلة Shahed-136  التي استخدمتها إيران بما يتراوح بين 20  ألفًا و50 ألف دولار للوحدة الواحدة، بينما تبلغ كلفة الصواريخ الباليستية الإيرانية متوسطة المدى (من طرازات شهاب، وعماد، وقدر) من مليون إلى 3 ملايين دولار للوحدة، وهي كلفة تقل بوضوح عن كلفة الصواريخ الاعتراضية في الفئات العليا.

وقد تحمّلت إيران معدل اعتراض يُقدَّر بين 60% و75%، ومع ذلك تمكنت من تحقيق التأثيرات التي سعت إليها، ما يشير إلى أن الحملة صُممت مع احتساب هذه النسبة من الاعتراض ضمن التخطيط العملياتي منذ البداية.

 

النمط الخامس: استغلال فجوات التنسيق داخل المجلس

تكشف البيانات عن سمة متكررة تتمثل في استهداف منشآت تستضيف قوات عسكرية متعددة الجنسيات، وهو نمط استهداف يعقّد في الوقت ذاته الاستجابة الدبلوماسية لعدد من حكومات دول حلف شمال الأطلسي وشركائها. فقد استضافت قاعدة المنهاد الجوية أفرادًا من سلاح الجو الملكي البريطاني وقوة الدفاع الأسترالية؛ كما استضافت قاعدة علي السالم الجوية عناصر من القوات الجوية الإيطالية (وقد أفادت إيطاليا بوقوع أضرار كبيرة في المدرج)؛ بينما يضم مقر الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية في البحرين أفرادًا من القوات العسكرية الكندية؛ كما يستضيف مركز العمليات الجوية المشتركة في قاعدة العديد عناصر من القوات البريطانية والكندية وغيرها من قوات التحالف.

ومن خلال استهداف هذه المنشآت متعددة الجنسيات، تعمل إيران على تحويل نزاع قد يبدو ثنائيًا بين الولايات المتحدة وإيران إلى أزمة دبلوماسية متعددة الأطراف، الأمر الذي يجبر الحكومات الأوروبية والحليفة على إدارة ثلاثة تحديات في وقت واحد: التهديد العسكري المباشر لقواتها المنتشرة في المنطقة، والضغط السياسي الداخلي الناتج عن خطر سقوط ضحايا في صفوف أفرادها، والتوتر الدبلوماسي بين الالتزام بهياكل التحالف مع الولايات المتحدة والرغبة في النأي بالنفس عن العمليات العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية والتي لم تؤيدها معظم الحكومات الأوروبية.

ويشير طابع “الإصابة القريبة” الذي اتسمت به العديد من هذه الضربات، أي إحداث تأثير كافٍ لإظهار القدرة وفرض تكاليف، دون التسبب في خسائر جماعية كبيرة بين قوات الحلفاء (قد تؤدي إلى رد فعل أوسع من حلف الناتو)، إلى درجة من الموازنة المتعمدة في الاستهداف، وليس إلى عدم دقة في الضربات. ويعزز هذا الاستنتاج تسجيل حالة وفاة عسكرية أمريكية واحدة فقط تلك الفترة (عنصر خدمة توفي في 7 مارس متأثرًا بجروح أصيب بها في 1 مارس في السعودية)، إلى جانب نمط الضربات القريبة من الإصابة التي استهدفت قواعد متعددة الجنسيات في جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست، وهو ما يشير إلى حساب دقيق لعتبة التصعيد.

 

النمط السادس: استثنائية حالة عُمان وإشكالية الفعل المستقل للحرس الثوري الإيراني

يمثل استهداف سلطنة عُمان الاستثناء الأكثر أهمية في هذا التحليل ضمن مجموعة البيانات مقارنة بالأنماط العامة التي جرى توصيفها أعلاه. فقد حافظت عُمان على علاقات دبلوماسية مع إيران طوال العقد السابق، كما أدت دور قناة الاتصال الخلفية الرئيسية للمفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، وكانت قد أعلنت صراحة رفضها المشاركة في أي عمل عسكري ضد إيران أو السماح باستخدام أراضيها لاستهدافها.

وفي 2 مارس/آذار، أقرّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن الهجمات على عُمان “لم تكن خيارهم”، وأنها نُفذت من قبل وحدات عسكرية “تصرفت بصورة مستقلة استنادًا إلى تعليمات عامة”.

ويكشف هذا التصريح، اللافت، عن مشكلة بنيوية في منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية، وهي مشكلة تحمل تداعيات مباشرة على القدرة على التنبؤ بمسار الصراع ومدته. فالحرس الثوري الإيراني، الذي يعمل بدرجة من الاستقلال العملياتي عن القوات المسلحة النظامية وعن وزارة الخارجية، يبدو أنه تلقى توجيهات على مستوى الحملة العسكرية من قبيل: “استهداف مواقع في الخليج ذات أصول عسكرية أمريكية أو قيمة استراتيجية”، إلا أن قادة الوحدات الميدانية ربما قد فسّروا هذه التوجيهات بصورة واسعة بما يكفي لتشمل البنية التحتية للموانئ العُمانية وحركة الشحن التجاري في المياه العُمانية.

وقد أدت الضربات الناتجة عن ذلك، والتي أسفرت عن مقتل عاملين أجنبيين في صحار وأحد أفراد طاقم ناقلة نفط قبالة مسقط، إلى الإضرار بالمصالح الدبلوماسية الإيرانية عبر تحويل عُمان من وسيط محتمل لإنهاء الصراع إلى دولة متضررة مباشرة منه.

كما يكشف نمط الضربات التي استهدفت عُمان عن جانب من التصور الاستخباراتي الإيراني للوضع الاستراتيجي؛ فربما قدّر مخططو الحرس الثوري أن ميناء الدقم وميناء صلالة يمكن أن يشكلا ممرات لوجستية بديلة للعمليات الأمريكية، خصوصًا بالنظر إلى القدرات اللوجستية العميقة في الدقم واستخدامه الجزئي من قبل السفن البحرية الأمريكية بموجب اتفاقات وصول حر قبل اندلاع الحرب. وإذا كان هذا التقدير هو الذي قاد إلى قرار الاستهداف، فإنه يمثل سلوكًا عملياتيًا خاضع لتقديرات اللحظة العسكرية الراهنة على مستوى الوحدات الميدانية، لكنه كان في الوقت ذاته نتيجة عكسية سياسيًا على المستوى الاستراتيجي.

 

٤. تقييم النية الاستراتيجية الإيرانية

عند دمج الأنماط الستة التي جرى تحديدها أعلاه، يمكن تقييم الحملة الإيرانية على أنها تسعى إلى تنفيذ استراتيجية إكراه متماسكة تقوم على ثلاثة أهداف رئيسية مرتبة وفق التسلسل الهرمي التالي:

أولا. الهدف الرئيسي: ويتمثل بإرغام الولايات المتحدة على وقف أو تقييد حملتها العسكرية ضد إيران، وذلك من خلال تهديد الأسس المادية والاقتصادية والسياسية للوجود الأمريكي في المنطقة، وعلى وجه الخصوص شبكة القواعد العسكرية، والتحالفات الإقليمية، وعائدات تصدير الطاقة التي تُمكّن الولايات المتحدة من التصرف بقوتها العسكرية في الشرق الأوسط.

ثانيا. الهدف الثانوي: فرض تكاليف اقتصادية ونفسية كافية على دول مجلس التعاون الخليجي بما يؤدي إلى نشوء دوائر ضغط سياسية داخل هذه الدول تدعو إلى إنهاء الصراع، وذلك عبر استغلال اعتماد حكومات الخليج على عائدات النفط والغاز، وهشاشتها تجاه القلق الشعبي المرتبط بسقوط ضحايا مدنيين، وتزايد الحسابات التي ترى أن التحالف مع الولايات المتحدة أصبح عبئًا أمنيًا أكثر منه أصلًا أمنيًا.

ثالثا. الهدف الأخير: إظهار القدرة أمام الجمهورين الإقليمي والدولي، بما في ذلك الصين وروسيا والدول غير المنحازة، على أن إيران تمتلك القدرة على إحداث اضطراب اقتصادي منهجي في نظام الطاقة العالمي، وأن الحملة الأمريكية–الإسرائيلية تنطوي على تكاليف غير مباشرة غير مقبولة بالنسبة للمجتمع الدولي.

تشير الأدلة المتاحة إلى أن إيران تحقق هدفها الأخير (إحداث اضطراب في الأسواق وجذب الانتباه الدولي) بدرجة ملحوظة من النجاح، كما تحقق نجاحًا جزئيًا في هدفها الرئيسي (خلق ضغط سياسي داخلي داخل الولايات المتحدة عبر ارتفاع أسعار الطاقة وتهديد القوات الحليفة)، في حين أخفقت في تحقيق هدفها الثانوي (إذ إن حكومات دول مجلس التعاون الخليجي اتجهت عمومًا إلى تشديد مواقفها بدلًا من تبني توجهات استرضائية استجابة للضربات)، وهو ما يتسق مع ما توصل إليه باب (Pape)  بشأن محدودية فاعلية الإكراه القائم على العقاب.

٥. التقييم الاستشرافي للسلوك الإيراني المستقبلي

استنادًا إلى تحليل الأنماط الوارد أعلاه، وإلى تطبيق نظرية التصعيد، يمكن رسم أربعة سيناريوهات تنبؤية للسلوك الإيراني في المدى القريب، وذلك بشرط استمرار الحملة الأمريكية–الإسرائيلية.

٥.١ السيناريو الأساسي: استمرار الإكراه المتمحور حول الطاقة (احتمال مرتفع)

في هذا السيناريو، تحافظ إيران على الوتيرة العملياتية الحالية لكنها تُحوّل تركيزها بشكل حاسم نحو البنية التحتية للطاقة، بعد أن أثبتت المرحلة الأولى أن استهداف المنشآت العسكرية يؤدي إلى معدلات اعتراض مرتفعة ونتائج عسكرية محدودة. وتشمل الأهداف الرئيسية في هذا السيناريو: المنشآت المتبقية لشركة أرامكو (حقل بري النفطي، ومجمع معالجة الغاز في بقيق، وخط أنابيب الشرق–الغرب)؛ وميناءي صلالة والدقم في سلطنة عُمان ، والممرات البديلة الرئيسية لشحن النفط المتجاوز لمضيق هرمز؛ والحقول النفطية البحرية في الإمارات العربية المتحدة: مثل (حقل الزاكوم العلوي ومنصات أدنوك البحرية)؛ إضافة إلى محطات تصدير النفط الكويتية.

ويتمثل الهدف في هذا السيناريو في الاعتراض الوظيفي الكامل لصادرات النفط والغاز الخليجية، مدعومًا بحملة زرع الألغام في مضيق هرمز التي بدأت بالفعل. وفي هذا الإطار، يُتوقع أن يزداد استخدام الصواريخ الباليستية ضد البنية التحتية المحصنة للمصافي وخطوط الأنابيب مقارنة بالأسبوعين الأولين من حملة الاعتداءات، حيث تركز إيران قدرة الضربات الدقيقة على المنشآت التي نجت من الموجة الأولى التي هيمنت عليها الطائرات المسيّرة.

٥.٢ التصعيد نحو الاستهداف الحضري الشامل (احتمال ما دون المتوسط)

إذا قدّرت إيران أن الحملة المتمحورة حول الطاقة لا تولّد ضغطًا سياسيًا كافيًا على حكومات دول مجلس التعاون الخليجي لدفع الولايات المتحدة إلى تغيير سياستها، فإن الخطوة التصعيدية التالية قد تتمثل في الاستهداف المتعمد للبنية التحتية المدنية عالية الكثافة في عواصم دول المجلس، بما يشمل شبكات الاتصالات، ومحطات التحويل في شبكات الكهرباء، ومنشآت معالجة المياه والتحلية بما يتجاوز الهجوم الأولي في البحرين، إضافة إلى المطارات التجارية الكبرى.

وستكون أبوظبي ودبي في الإمارات العربية المتحدة، والدوحة في قطر، والرياض في المملكة العربية السعودية محور التركيز الرئيسي، نظرًا لما تمثله هذه المدن من أهمية رمزية ومركزية اقتصادية.

ويمثل هذا السيناريو تصعيدًا كبيرًا يتجاوز حدود حملة الاعتداءات الحالية، ومن المرجح أن يؤدي إلى رد عسكري مباشر من دول مجلس التعاون الخليجي، قد يشمل تنفيذ ضربات داخل الأراضي الإيرانية. ويبدو أن القيادة العليا في إيران تدرك وجود هذه العتبة التصعيدية الحساسة، وهو ما يقيّد، دون أن يستبعد، هذا المسار التصعيدي، خصوصًا إذا تصاعد الضغط الداخلي من قادة الحرس الثوري الساعين إلى إظهار تحرك حاسم.

٣. ٥ خفض التصعيد المشروط وتوقف تفاوضي (احتمال متوسط)

إذا حققت الحملة الأمريكية–الإسرائيلية أهدافها قريبة المدى (إضعاف القدرات النووية والعسكرية التقليدية الإيرانية)، وبرز إطار لوقف إطلاق النار، فإن هيكل الحوافز العقلاني لدى إيران يميل إلى خفض التصعيد في الضربات الموجهة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما في ضوء التكاليف الدبلوماسية المترتبة على ضربات عُمان، إضافة إلى خطر أن يؤدي استمرار استهداف دول المجلس إلى دفع السعودية والإمارات نحو المشاركة المباشرة في عمليات هجومية ضد إيران.

وفي هذا السياق، يبدو التوصل إلى توقف تفاوضي مؤقت في استهداف دول مجلس التعاون الخليجي احتمالًا قائمًا، وربما يتم التوسط فيه عبر القنوات الدبلوماسية القطرية أو العُمانية. غير أن تحقق هذا السيناريو يبقى مرهونًا بوجود إطار أوسع لإنهاء الصراع تراه إيران قابلًا للبقاء سياسيًا بالنسبة لقيادتها العليا الجديدة.

٤.٥ التصعيد البحري في بحر العرب (الاحتمال ضعيف)

إن استهداف ميناءي صلالة والدقم في سلطنة عُمان، وهما المساران البديلان الرئيسيان لصادرات النفط الخليجية التي تتجنب مضيق هرمز، يشير إلى احتمال توسّع العمليات البحرية الإيرانية نحو نطاق أوسع في بحر العرب.

تمتلك إيران مجموعة متنوعة من القدرات البحرية الهجومية، تشمل صواريخ مضادة للسفن، وزوارق مسيّرة، وألغامًا بحرية تُنشر بواسطة الغواصات، وهي قدرات تتيح لها تهديد حركة الشحن البحري خارج نطاق المضيق نفسه.

وفي سيناريو تصعيدي من هذا النوع، قد تمتد عمليات الاعتراض الإيرانية إلى خليج عُمان وبحر العرب والبحر الأحمر. ومن شأن مثل هذا التطور أن يحمل تداعيات خطيرة على حركة الشحن العالمية وسلاسل إمداد الطاقة، كما أنه سيمثل أكثر مسارات التصعيد تدميرًا من الناحية الاقتصادية المتاحة لإيران في ضوء قدراتها العسكرية التقليدية الحالية.

٦. التوصيات الأمنية لدول مجلس التعاون الخليجي

تؤطر التوصيات التالية ضمن ثلاثة مستويات زمنية — فورية (0–30 يومًا)، ومتوسطة المدى (30–180 يومًا)، وهيكلية (أكثر من 180 يومًا). وتتناول خمس مجالات وظيفية: الدفاع الجوي، وحماية البنية التحتية الحيوية، والأمن البحري، والتنسيق التحالفي، والاتصال الاستراتيجي، والذكاء الاصطناعي.

 المستوى الأول: التدابير الفورية (0–30 يومًا)

المجال الجوي

  • الفجوة الحرجة:نشر أنظمة دفاع جوي إضافية قصيرة المدى (C-RAM) تحديدًا حول محطات تصدير الطاقة والبنية التحتية للتحميل البحري التي لا تزال تفتقر إلى أنظمة تسليح قريبة مخصصة. ويُعد مجمع رأس تنورة البحري ومحطة الجعيمة من الأولويات العاجلة.
  • إجراء تقييم طارئ لمخزون الصواريخ الاعتراضية والبدء في طلبات شراء عاجلة بالتنسيق مع الشركاء في الولايات المتحدة وفرنسا وكوريا الجنوبية.فمعدل الاعتراض الذي تفرضه تكتيكات الإغراق بالطائرات المسيّرة التي تعتمدها إيران يؤدي إلى استنزاف المخزونات الاعتراضية بمعدلات لم تكن محسوبة في الافتراضات اللوجستية قبل اندلاع الصراع.
  • دمج شبكات الدفاع الجوي الوطنية لدول مجلس التعاون الخليجي في منظومة جوية مشتركة واحدة، مع تبادل بيانات لحظي بين قيادة الدفاع الجوي في القوات الجوية الملكية السعودية(RSLF)، ونظام الدفاع الجوي المتكامل في الإمارات  (IADS)، ومنظومة الدفاع الجوي القطرية ونظيراتها. ويأتي ذلك لأن نمط الإغراق المتزامن متعدد الدول (النمط 1) الذي تتبعه إيران مصمم خصيصًا لإرباك أنظمة الدفاع الجوي القطرية.

البنية التحتية للطاقة

  • فرض حظر فوري ضمن إجراءات الأمن العملياتي(OPSEC) على نشر صور الأقمار الصناعية أو الصور الإعلامية الآنية للأضرار التي تصيب منشآت الطاقة. إذ إن قدرة إيران على تقييم أضرار المعركة بعد الضربة (BDA)  تبدو متقدمة بوضوح؛ ومن شأن تقييد وصولها إلى تأكيدات الأضرار عبر المصادر المفتوحة أن يبطئ دورات اتخاذ قرار إعادة الاستهداف.
  • التموضع المسبق لوحدات الإطفاء المتنقلة وأصول الاستجابة الطارئة في المصافي الكبرى ومنشآت الغاز الطبيعي المسال. فقد أظهرت الضربات على بابكو ورأس تنورة أن زمن الاستجابة لعمليات إخماد الحرائق يمثل عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كانت ضربة بطائرة مسيّرة ستؤدي إلى أضرار دخانية محدودة أو إلى تعطل كبير للمنشأة.
  • تفعيل خطط زيادة الإنتاج المقررة مسبقًا في المنشآت غير المتضررة بهدف تكوين مخزونات احتياطية قبل الضربات المتوقعة في المرحلة التالية على منشآت أرامكو في بري وبقيق.

المستوى الثاني: التدابير متوسطة المدى (30–180 يومًا)

بنية مكافحة الطائرات المسيّرة

  • شراء ونشر بنية متعددة الطبقات للتعامل مع الأنظمة الجوية غير المأهولة(C-UAS) في جميع مواقع البنية التحتية من الفئة الأولى، بحيث تجمع بين وسائل الاعتراض الناري، وأنظمة الموجات الميكروية عالية القدرة والحرب الإلكترونية مثل (أنظمة الخداع والتشويش على GPS/GNSS). إن الاعتماد الحالي على منظومات باتريوت وثاد في مواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة يُعد غير قابل للاستدامة اقتصاديًا في ظل نسب التبادل التي فرضتها إيران.
  • إنشاء خلية دمج استخباري مخصصة لمكافحة الطائرات المسيّرة على مستوى مجلس التعاون الخليجي، تستند إلى الاستخبارات الوطنية للإشارات(SIGINT)، وبيانات الأقمار الصناعية التجارية، والتغذيات الاستخبارية للدول الحليفة، وتتمثل مهمتها المحددة في تتبع مؤشرات التحضير الإيراني لإطلاق الطائرات المسيّرة، بما في ذلك انتشار مركبات نقل ونصب وإطلاق المسيّرات، وقوافل إمداد الوقود، وتحركات وحدات الحرس الثوري الإيراني نحو ممرات الإطلاق.

الأمن البحري

  • توسيع بروتوكولات المرافقة البحرية لتشمل جميع عبور ناقلات النفط في المياه الإقليمية العُمانية وشمال بحر العربوليس فقط داخل مضيق هرمز. فقد أظهرت الهجمات على MV Skylight  وناقلة النفط التي ترفع علم جزر مارشال قبالة مسقط أن نطاق التهديد البحري الإيراني قد توسع إلى ما يتجاوز المضيق نفسه.
  • إنشاء كونسورتيوم تأمين طارئ لناقلات النفط بدعم من صناديق الثروة السيادية لدول مجلس التعاون الخليجي للحفاظ على استمرار حركة الشحن التجاري إلى موانئ بحر العرب.إذ إن الانسحاب التدريجي لشركة لويدز أوف لندن وشركات التأمين البحري الدولية من تغطية المخاطر في الخليج يؤدي إلى تسريع اضطراب حركة الموانئ والشحن البحري بوتيرة أسرع من الأضرار الناتجة عن الضربات المباشرة وحدها.

الذكاء الاصطناعي للدفاع الجوي والتنبؤ بالتهديدات

  • الفرز الذاتي للتهديدات:نشر أنظمة قيادة وسيطرة (C2) للدفاع الجوي مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، تكون قادرة على الفرز الذاتي للمسارات التهديدية الواردة وترتيب أولوياتها في الزمن الحقيقي. فالعقيدة الإيرانية القائمة على الإغراق المتزامن متعدد الدول مصممة تحديدًا لإرباك دورات اتخاذ القرار البشرية؛ إذ يدير مشغلو الدفاع الجوي في دول مجلس التعاون الخليجي، خلال ذروة موجات الهجوم، مئات المسارات المتزامنة عبر أنواع متعددة من الصواريخ وأسراب الطائرات المسيّرة. ويمكن للمنصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لمهام القيادة والسيطرة — مثل IBCS (Integrated Battle Command System)  التابعة لشركة Northrop Grumman  أو ما يعادلها، أن تدمج تغذيات الرادار، والاستخبارات الإشارية  (SIGINT)، وبيانات الأقمار الصناعية في صورة تهديد موحدة واحدة، وأن تخصص الصواريخ الاعتراضية استنادًا إلى احتمال القتل المحسوب وترجيح قيمة الأصل المستهدف، وأن تنفذ تسلسلات الاشتباك بسرعة آلية، بما يقلص العبء الإدراكي على المشغلين البشر إلى مستوى التفويض العالي بدلًا من اختيار الأهداف في الزمن الحقيقي.
  • الإنذار التنبئي بالضربات:تطوير ونشر منظومة استخبارية تنبؤية للاستهداف مدعومة بالذكاء الاصطناعي على مستوى مجلس التعاون الخليجي، وتكون مدرّبة على مجموعة بيانات أنماط الضربات التي جرى تأسيسها في هذا النزاع. فالنماذج القائمة على التعلّم الآلي والمطبقة على المؤشرات المرصودة قبل الضربة لدى الحرس الثوري الإيراني، مثل انتشار مركبات إطلاق المسيّرات من مستودعات التخزين، وتحركات قوافل إعادة التزويد بالوقود، وتغيرات البصمة الإشارية (SIGINT) في ممرات الإطلاق المعروفة، والنوافذ الجوية الملائمة لأنماط طيران محددة، يمكن أن توفر نافذة تحذيرات قبل 24 إلى 72 ساعة من موجات الضربات الوشيكة. كما أن نموذجًا مدربًا على نمط التصعيد ذي المراحل الست الذي حددته هذه الدراسة سيكون قد امتلك بالفعل بيانات كافية للتنبؤ بتحولات فئات الأهداف في المرحلة التالية ضمن هوامش ثقة ذات دلالة.
  • دمج استخبارات المصادر المفتوحة المدعوم بالذكاء الاصطناعي:دمج أدوات دمج استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT)  المعتمدة على نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) ضمن مراكز الدمج الاستخباري في دول مجلس التعاون الخليجي لرصد وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية، والقنوات الاجتماعية التابعة للحرس الثوري الإيراني، والتقارير الإقليمية باللغات العربية والفارسية والإنجليزية في آن واحد، وعلى نطاق واسع وفي الزمن الحقيقي. فالإشارات الإيرانية السابقة للضربات، بما في ذلك التصريحات العلنية للحرس الثوري بشأن فئات الأهداف وإعلاناته التي سبقت استهداف المنشآت الدبلوماسية،  تتضمن محتوى ذا أهمية تحليلية كبيرة لا تستطيع مسارات المعالجة البشرية اليدوية تتبعه بالسرعة والحجم الكافيين عبر الأجهزة الاستخبارية الستة لدول مجلس التعاون الخليجي في الوقت نفسه.
  • البحث والتطوير المشترك في مجال الذكاء الاصطناعي الدفاعي:إنشاء كونسورتيوم خليجي مخصص لأبحاث أمن الذكاء الاصطناعي،  بوصفه هيئة مشتركة للبحث والتطوير تجمع بين المؤسسات الدفاعية في دول مجلس التعاون الخليجي، والمراكز الوطنية للذكاء الاصطناعي (مثل معهد الابتكار التكنولوجي في الإمارات العربية المتحدة وسدايا في المملكة العربية السعودية)، وشركاء تكنولوجيا الدفاع من الدول الحليفة، على أن تُناط به مهمة محددة تتمثل في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي للكشف عن الطائرات المسيّرة المضادة، وهزيمة أسراب الطائرات المسيّرة المعادية، والكشف المبكر عن التهديدات. ومن شبه المؤكد أن الجيل القادم من منصات الضرب الإيرانية سيشتمل على قدرات توجيه ذاتي وتنسيق سربي؛ ولذلك فإن تطوير قدرات مضادة مدعومة بالذكاء الاصطناعي من الآن، قبل إدخال ذلك الجيل إلى الخدمة، يُعد خيارًا أكثر تفضيلًا استراتيجيًا من التكيّف التفاعلي تحت النيران.

تحصين البنية التحتية الحيوية

  • تحصين منشآت تحلية المياه وتوليد الكهرباء ضد ضربات الطائرات المسيّرة.إذ تشير محاولة استهداف محطة التحلية في البحرين وضرب خزان المياه في محطة كهرباء مسيعيد إلى أن إيران قد أدرجت البنية التحتية المدنية الحيوية للمرافق ضمن أهداف التصعيد من المستوى الثاني.
  • تطوير معايير على مستوى مجلس التعاون الخليجي لحماية البنية التحتية الحيوية، إلى جانب بروتوكول للمساعدة المتبادلة يتيح لفرق الاستجابة السريعة العابرة للحدود مساندة الدول المجاورة في استعادة الخدمات الحيوية عقب الضربات.

المستوى الثالث: التدابير الهيكلية (180 يومًا فأكثر)

بنية التحالف

  • التفاوض على إنشاء بنية رسمية وملزمة للدفاع الجوي والصاروخي المتكامل لدول مجلس التعاون الخليجي تحت قيادة موحدة،على غرار إطار الناتو للدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، بما يشمل مركز عمليات جوية مشتركة دائمًا، وشبكة رادارات إنذار مبكر مشتركة، وبروتوكولات مشتركة لتخصيص الصواريخ الاعتراضية. إن النمط الحالي القائم على أنظمة دفاع جوي وطنية مستقلة يستجيب كل منها لمساره التهديدي الخاص، يُعد غير متوافق بنيويًا مع عقيدة الإغراق المتزامن متعدد الدول التي أثبتت إيران قدرتها على تنفيذها.
  • إجراء مراجعة استراتيجية شاملة لحسابات الكلفة والعائد المرتبطة باستضافة الأصول العسكرية الأمريكية، على أن يُتعامل مع المسألة ليس بوصفها سؤالًا سياسيًا، بل باعتبارها مشكلة هندسة أمنية:في ضوء الأولوية التي أظهرتها إيران في استهداف القواعد الأمريكية، ما التعديلات المطلوبة في تشتيت القواعد، وتحصينها، وحماية القوات لتقليص هشاشة الدول المضيفة من دون تقويض الجدوى العملياتية للوجود الأمريكي.

الاتصال الاستراتيجي والردع

  • إنشاء بروتوكول رسمي للاتصال الرادع يحدد بصورة صريحة ومسبقة العتبة التي ستباشر عندها دول مجلس التعاون الخليجي عملًا هجوميًا مباشرًا ضد الأراضي الإيرانية في حال تكرر الاعتداء من أراضيها.وتؤكد نظرية الردع لدى شيلينغ أهمية الخطوط الحمراء الموثوقة والمعلنة مسبقًا؛ وقد يكون غياب هذا النوع من الاتصال خلال الصراع الحالي قد شجّع، على الأرجح، خطوات التصعيد الإيرانية المتعاقبة، إذ اختبرت كل خطوة منها عتبة الرد الخليجي.
  • الاستثمار في خطاب استراتيجي قائم على الصمود،أي جهد منسق في مجال المعلومات العامة يُظهر للجمهورين الداخلي والإقليمي أن مجتمعات دول مجلس التعاون الخليجي تستوعب الضغط الناجم عن الضربات الإيرانية من دون اضطراب جوهري في الحوكمة أو الأداء الاقتصادي أو الاستقرار الاجتماعي. إذ إن أحد الأهداف الرئيسية لإيران يتمثل في التآكل النفسي للثقة العامة في حكومات دول المجلس؛ ومن ثم فإن بناء سردية استباقية عن الصمود يشكل استجابة مباشرة لهذا الهدف.

الاستخبارات والإنذار المبكر

  • تكليف جهة مختصة بإعداد تقييم استخباري مخصص قائم على جميع المصادر بشأن عقيدة الاستهداف الإيرانية، مع تركيز خاص على تحديد وحدات الحرس الثوري الإيراني المسؤولة عن الأفعال التصعيدية المستقلة التي لا تتسق مع النوايا السياسية الإيرانية المعلنة (مشكلة عُمان). إن فهم ديناميات التابع-المتبوع داخل بنية القيادة العسكرية الإيرانية يُعد أمرًا جوهريًا من أجل التنبؤ الدقيق بمسار الصراع، وكذلك من أجل تحديد قنوات الاتصال التي يمكن عبرها إيصال حدود التصعيد إلى القيادة العسكرية الإيرانية في المستويات الأدنى من القيادة العليا.
  • تطوير منظومة مؤشرات إنذار مبكر لأنماط الاستهداف، أي مجموعة من المؤشرات القابلة للرصد والقياس والمتقدمة زمنيًا (تحركات اللوجستيات التابعة للحرس الثوري الإيراني، والتموضع المسبق لمخزونات الطائرات المسيّرة، وتوزيع الوقود على مناطق الإطلاق الأمامية، وتغيرات البصمة الإشارية SIGINT)، بما يوفر تحذيرًا يتراوح بين 24 و72 ساعة قبل موجات الضرب الرئيسية. ويشير النمط التصعيدي ثلاثي المراحل المحدد في هذا التحليل إلى أن الانتقالات بين المراحل قد تكون مسبوقة بأنشطة تحضيرية قابلة للكشف.

الخلاصات

تمثل الحملة العدائية الإيرانية ضد دول الخليج العربية في الحرب الحالية أكثر حملة صاروخية وطائرات مسيّرة تقدمًا من الناحية العملياتية وأوسعها جغرافيًا نفذها فاعل غير قوة عظمى ضد منظومة دول إقليمية. وتتجاوز أهميتها التحليلية الحدود التكتيكية المباشرة للصراع في الخليج؛ إذ تشكل عرضًا ميدانيًا لعقيدة إكراه متعددة المجالات تقوم على اقتصاديات الضرب غير المتكافئة، وتسليح أسواق الطاقة، والاستغلال المتعمد لفجوات التنسيق داخل التحالفات.

وتُظهر الأنماط الستة التي حددها هذا التحليل وهي: الإغراق المتزامن متعدد الدول، والتصعيد المتعمد في فئات الأهداف، وتسليح الاعتماد المتبادل في مجال الطاقة، والمواءمة غير المتكافئة بين نوع السلاح والهدف، واستغلال فجوات التنسيق التحالفي، والفعل المستقل للحرس الثوري الإيراني، حملة تجمع بين تواضع نسبي في قدرتها العسكرية المباشرة وطموح استراتيجي واسع. فإيران لا تستطيع هزيمة دول مجلس التعاون الخليجي عسكريًا، فهي لا تحتاج إلى ذلك. إذ يتمثل هدفها الاستراتيجي في الإكراه، أي فرض تكاليف كافية لتغيير الحسابات السياسية للولايات المتحدة وشركائها في الخليج، من دون استثارة استجابة عسكرية شاملة لا تستطيع قواتها التقليدية تحملها.

ويشير التقييم الاستشرافي إلى أن الاستمرار في استهداف البنية التحتية البديلة لتصدير الطاقة، بما في ذلك صلالة، وينبع، والفجيرة، ومجمع معالجة الغاز في بقيق،  يمثل أكثر مسارات التصعيد ترجيحًا في المرحلة المقبلة، مع احتمال توسع عمليات الاعتراض البحري إلى بحر العرب بوصفه خطرًا ثانويًا لكنه ذو أهمية كبيرة. أما العجز البنيوي الأمني الأكثر إلحاحًا الذي يتطلب المعالجة فيتمثل في غياب بنية دفاع جوي وصاروخي متكاملة لدول مجلس التعاون الخليجي قادرة على التصدي جماعيًا لعمليات الإغراق المتزامن متعددة الدول،  وهي فجوة يبدو أن مخططي الاستهداف الإيرانيين قد حددوها بوضوح ويعملون على استغلالها بصورة منهجية.

وفي نهاية المطاف، يكشف التحليل أيضًا حدود الاستراتيجية الإيرانية. فنتيجة البحث التي توصل إليها باب (Pape) ومفادها أن الإكراه القائم على العقاب نادرًا ما ينتج امتثالًا سياسيًا وغالبًا ما يؤدي إلى تصلب موقف الخصم، تبدو آخذة في الظهور في ردود فعل دول مجلس التعاون الخليجي. إذ إن هذه الدول عززت مواقفها بدلًا من تليينها، مع اتجاه الإمارات والسعودية نحو تبني بعض العمليات الهجومية أو التهديد بها بدلًا من الدفع باتجاه إنهاء الصراع.

قام بإعداد هذه الدراسة فريق الرصد والتحليل في المعهد بالاستعادة بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي ChatGPT، وGemnini، و Claude.ai، وPerplexity.

 

المصادر والمراجع:

Deptula, D. A. (1992). Firing for Effect: Change in the Nature of Warfare. Aerospace Education Foundation.

Farrell, H., & Newman, A. L. (2019). Weaponized Interdependence: How Global Economic Networks Shape State Coercion. International Security, 44(1), 42–79.

Fearon, J. D. (1994). Domestic Political Audiences and the Escalation of International Disputes. American Political Science Review, 88(3), 577–592.

Joint Chiefs of Staff. (2016). Joint Intelligence Preparation of the Operational Environment (JP 2-01.3). US Department of Defense.

Pape, R. A. (1996). Bombing to Win: Air Power and Coercion in War. Cornell University Press.

Schelling, T. C. (1966). Arms and Influence. Yale University Press.

Smith, E. A. (2006). Effects Based Operations: Applying Network Centric Warfare in Peace, Crisis, and War. CCRP Publication Series.

المصادر الرئيسية لاستخبارات المصادر المفتوحة (OSINT)

Al Jazeera English — daily conflict coverage, February 28 – March 14, 2026. FDD Long War Journal — ‘Iran targets US bases, diplomatic missions, and oil infrastructure in Arab countries’ (March 3–5 and 7–8 updates). Wikipedia — ‘2026 Iranian strikes on the United Arab Emirates,’ ‘2026 Iranian strikes on Bahrain,’ ‘2026 Iranian strikes on Kuwait,’ ‘2026 Iranian strikes on Qatar,’ ‘2026 Iranian strikes on Saudi Arabia,’ ‘2026 Iranian strikes on Oman.’ Reuters, Bloomberg, AFP, Gulf News, Arab News, The National, Iran International, Euronews, Stars and Stripes, France 24, Atlantic Council, JINSA — contemporaneous reporting, February 28 – March 14, 2026.

What's your reaction?

Leave a comment

Related Posts

نحو تحول جذري في الاستخبارات العسكرية

© 2025 AIDI. Theme by Aidefense Institute.